الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة لجنة التشجيع على الانتاج السينمائي تستثني فيلم "وصيّة آنا" للمخرجة سنية الشامخي من الدعم

نشر في  07 فيفري 2022  (17:46)

تابعت بانتباه نتائج لجنة التشجيع على الانتاج السينمائي لسنة 2021، ومثلما سرّني دعم عديد المشاريع السينمائية الواعدة، لاحظت رفض الملف الذي تقدمت به المخرجة سنية الشامخي، وهو سيناريو فيلم طويل يحمل عنوان "وصيّة آنا". وقد كنت شاهدة على مختلف مراحل تطوير هذا السيناريو بحكم عضويتي في لجنة التشجيع على الانتاج السينمائي لسنة 2019، وقد كانت الفكرة الاولية للفيلم تحصلت على منحة المساعدة على الكتابة لما فيها من عناصر تُوحي بسيناريو مشوّق تتداخل فيه الاحداث والمصائر لتروي أوْجُها من تونسيتنا.

وسيناريو "وصيّة آنا" مُستوحى من قصة حقيقية تروي التجاذبات الاجتماعية والدينية التي عقبت وفاة تونسية يهودية بعد ان اختلف عدد من افراد عائلتها حول مكان دفنها بين من أراد لها المقبرة الاسلامية والمقبرة اليهودية كمرقد أخير، وتتولى شقيقتها البحث في مذكرات الفقيدة لمعرفة فحوى رغباتها ووصيّتها الاخيرة.

ومن خلال هذه القصة تتعرض سنية الشامخي لجملة من المواضيع على غرار الانفتاح على الآخر والتسامح وضرورة البحث والتريّث في عالم طغت عليه الاحكام المسبقة والضغائن والخلافات. وقد اتصفت كتابة الفيلم بمرئية فائقة ناهيك انّ سنية الشامخي توقفت عند فضاءات وشوارع بالعاصمة وبحلق الوادي تحمل الكثير من الرمزية.

وقد كان يمكن لهذا الفيلم انّ يوّثق لمجموعة من الخصوصيات الاجتماعية التي تعكس الهويّة التونسية بكل ما تحمله من انغلاق وانفتاح في نفس الوقت. غير انّ لجنة التشجيع على الانتاج السينمائي لم تتوقف عند هذه التفاصيل او لم تحسن ايلاءها الاهمية التي تستحقها مفضلة دعم مشاريع اخرى، لكنّ ذلك لا يقلل بأي حال من الأحوال من قيمة السيناريو المقترح من قبل سنية الشامخي والذي اوفته حقّه وغذّته بحس شاعري وسينمائي رقيق بين الكتابة المُحكمة والنسق التصاعدي فضلا عن الايغال في المدينة ومعمارها وما تعج به من شخصيات متصالحة تارة ومتضاربة مع ذواتها تارة اخرى.      

يذكر انّ سنية الشامخي تحصلت سنة 2011 على دعم لانجاز فيلمها "عزيز روحو"، ومنذ ذلك التاريخ اي منذ اكثر من عشر سنوات، رُفض لها سيناريو آخر يتطرق لشخصية الحبيب بورقيبة، ليصلها مؤخرا خبر رفض دعم مشروع فيلم "وصيّة آنا". وهي ردود سلبية لا يمكن ان تشجع على العطاء في المجال السينمائي بل هي تمّس من معنويات جلّ المخرجات التونسيات اللاتي حُرمن من التعبير عن رؤيتهن للمجتمع وعن خيالهن ازاء هذا الموضوع او ذاك.

ومن الملاحظ ايضا انّ سنية الشامخي متحصلة على الدكتواره في السينما من جامعة السوربون وهي استاذة محاضرة بالمعهد الاعلى للسمعي والبصري والسينما بقمرت. كما صدر للمخرجة كتابين عن السينما التونسية اولها سنة 2002 تحت عنوان" السينما التونسيّة الجديدة: طريق" وثانيهما صدر سنة 2009 وعنوانه "السينما التونسية في ظل الحداثة: دراسات نقدية من الأفلام التونسية (1996-2006). هذا فضلا عن كتاباتها الادبية المختلفة وقد توّجت روايتها "ليلى او امرأة الفجر" بجائزة الكومار الذهبي سنة 2009.

وتطرح مُخرَجات لجنة التشجيع على الانتاج السينمائي كل سنة مسألة انصاف المشاريع السينمائية المقترحة حيث يتراوح عدد المشاريع المقترحة سنويا بالنسبة للافلام الطويلة بين 30 و50 سيناريو ليتم الابقاء على 5 او 7 مشاريع منها بما يقابل قرابة الاربع مليارات تقريبا وهي الميزانية التي تخصصها وزارة الثقافة لدعم الافلام التونسية سنويا. وهو ما يعني انه يتم الابقاء على 20 بالمائة فقط من المشاريع المقترحة وما يخلق كذلك حالة من الخيبة والاحباط بين صفوف المخرجين الذين يُحرمون من تحقيق مشاريعهم السينمائية في ظل ندرة مصادر التمويل مع العلم انّ معدل كلفة الفيلم الروائي الواحد تناهز المليار من مليماتنا.

وفي هذا العمل الانتقائي الذي يخضع لمحدودية الميزانية التي توّفرها وزارة الثقافة، دعم لعدد من المشاريع وكذلك فِعْلُ طَمْس يطال عددا هاما من المشاريع الاخرى التي تنقل أحلام ورؤية السينمائيين التونسيين، وهو ما يدفعنا للقول بأنّ الذاكرة السينمائية التونسية ذاكرة مثقوبة بكلّ الافلام التي لم تر النور والتي كان بإمكانها سواء كانت وثائقية او روائية ان تثري نسيج تاريخنا المشترك، فالسينما وفق المؤرخ مارك فيرو وثيقة تاريخية توّفر تحليلا مضادا للمجتمع وتقول الكثير عنه حتى لو كان ذلك من خلال المسكوت عنه او الزلات او المخفي في المجتمعات.

شيراز بن مراد